ابن كثير

117

البداية والنهاية

عوضا عن كتبغا ، وفي ربيع الأول قدم إلى دمشق الشيخ قوام الدين مسعود بن الشيخ برهان الدين محمد بن الشيخ شرف الدين محمد الكرماني الحنفي ، فنزل بالقصاعين وتردد إليه الطلبة ودخل إلى نائب السلطنة واجتمع به وهو شاب مولده سنة إحدى وسبعين وقد اجتمعت به ، وكان عنده مشاركة في الفروع والأصول ودعوا أوسع من محصوله ، وكانت لأبيه وجده مصنفات ، ثم صار بعد مدة إلى مصر ومات بها كما سيأتي . وفي ربيع الأول تكامل فتح إياس ( 1 ) ومعاملتها وانتزاعها من أيدي الأرمن ، وأخذ البرج الأطلس ( 2 ) بينه وبينها في البحر رمية ونصف ، فأخذه المسلمون بإذن الله وخربوه ، وكانت أبوابه مطلية بالحديد والرصاص ، وعرض سوره ثلاثة عشر ذراعا بالنجار ، وغنم المسلمون غنائم كثيرة جدا ، وحاصروا كواره فقوي عليهم الحر والذباب ، فرسم السلطان بعودهم ، فحرقوا ما كان معهم من المجانيق وأخذوا حديدها وأقبلوا سالمين غانمين ، وكان معهم خلق كثير من المتطوعين . وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى كمل بسط داخل الجامع فاتسع على الناس ، ولكن حصل حرج بحمل الأمتعة على خلاف العادة ، فإن الناس كانوا يمرون وسط الرواق ويخرجون من باب البرادة ، ومن شاء استمر يمشي إلى الباب الآخر بنعليه ، ولم يكن ممنوعا سوى المقصورة لا يمكن أحد الدخول إليها بالمداسات ، بخلاف باقي الرواقات ، فأمر نائب السلطنة بتكميل بسطه بإشارة ناظره إلى مراحل . وفي جمادى الآخرة رجعت العساكر من بلاد سيس ومقدمهم أقوش نائب الكرك . وفي آخر رجب باشر القاضي محيي الدين بن إسماعيل بن جهبل نيابة الحكم عن ابن صصرى عوضا عن الداراني الجعفري ، واستغنى الداراني بخطبة جامع العقبية عنها . وفي ثالث رجب ركب نائب السلطنة إلى خدمة السلطان فأكرمه وخلع عليه ، وعاد في أول شعبان ففرح به الناس . وفي رجب كملت عمارة الحمام الذي بناه الأمير علاء الدين بن صبيح جوار داره شمالي الشامية البرانية . وفي يوم الاثنين تاسع شعبان عقد الأمير سيف الدين أبو بكر بن أرغون نائب السلطنة عقده على ابنة الناصر ، وختن في هذا اليوم جماعة من أولاد الأمراء بين يديه ، وماد سماطا عظيما ، ونثرت الفضة على رؤوس المطهرين ، وكان يوما مشهودا ، ورسم السلطان في هذا اليوم وضع المكس عن المأكولات ( 3 ) بمكة ، وعوض صاحبها عن ذلك بإقطاع في بلد الصعيد ( 4 ) .

--> ( 1 ) أياس : من بلاد الأرمن على ساحل البحر ( تقويم البلدان لأبي الفداء ص 248 ) . ( 2 ) وهو أحد ثلاثة أبرجة وهي : الأطلس والشمعة والإياس ( تذكرة النبيه 2 / 124 ) . ( 3 ) يعني بذلك مكس الغلال ، انظر السلوك 2 / 236 والمواعظ والاعتبار 1 / 88 . ( 4 ) عوضه بثلثي بلد دماميل ، أو دمامين وهي من البلاد القديمة بمركز قوص ، وتعرف حاليا باسم المفرجية نسبة إلى الشيخ مفرج بن موفق بن عبد الله الدماميني المتوفى سنة 648 ( انظر القاموس الجغرافي لمحمد رمزي ج 4 / 2 / 185 ) .